الأحد , 7 مارس 2021
الكاتب الأستاذ: محمد فاضل الهادي
الكاتب الأستاذ: محمد فاضل الهادي

هؤلاء عن أي اجماع وطني يتحدثون ؟ ج1 محمد فاضل الهادي

شعارات الساسة لا تسمن و لا تغني من جوع، و ليست سوى أدوات تسويقية تتيح الفرصة لهم بجلب أكبر عدد من الناس حولهم من أجل الوصول إلى الكرسي، لينسوا بعدها مباشرة من كانوا وراء نجاحهم.

شعار رئيس الفقراء ابانت الأيام عن حقيقته حيث كان بالفعل الرئيس وقتئذ رئيسا لشعب معدوم، يبحث عن لقمة عيش يمكن أن توصله الظروف لإنتزاعها من فم جرو أجبني كان قد سرقها من مخازن الدولة الغنية المنهوبة عن بكرة أبيها من طرف من يحق لهم فقط أن يكونوا أسيادا في هذه الأرض بمعية من قوم لهم تبع ما داموا ينهبون الخيرات و يقفون في وجه كل مصلح.

كان شعار رئيس الفقراء بالفعل شعارا براقا جميلا رائعا، و كذلك كان التغيير البناء، تماما كما كان شعار “معاوية الخير” من قبل وسيلة لمن يحق لهم أن ينعموا بخيرات البلد ليخدعوا به فقراءه.

كل تلك الشعارات تم العثور على مقاصدها و لصالح من أطلقت، فلا شعار “معاوية الخير” أطلق تشجيعا للرئيس الأسبق من أجل المضي قدما في نهضة البلد و استقراره و ازدهاره و بناء أجيال كان من المفروض أنها سَتَسْتَلِمُ المشعل اليوم.

لم يتسلم واحد من تلك الاجيال زمام القيادة في أي قطاع حكومي إلا بالزبونية و الولاء الاعمى و الاستغلال الممنهج لسذاجته و مستواه العلمي و الثقافي المتذبذب بسبب خطط التعليم الإرتجالية في عهد ولد الطائع.

لم يكن الرئيس الأسبق معاوية مذنبا في كل ما جرى و إن كان يتحمل جزءا من المسؤولية، كذلك هي الحال مع الرئيس السابق ولد عبد العزيز الذي هو الآخر ـ و إن كان أكثر فسادا بعدما ظهر من ملفات مخيفة ـ لا يتحمل مسئولية كل جرائم نظامه فتلك الجرائم متشعبة و متداخلة و كل مسئول حكومي يتحمل جزء منها.

شعار رئيس الفقراء قال عنه أحدهم ذات يوم : “صدق الرئيس حين قال عن نفسه أنه رئيسا للفقراء فنحن، يقول، شعب فقير و أنتم يا سيادة الرئيس رئيسا للفقراء”.

أما اليوم و نحن في عهد الرئيس محمد ولد الغزواني و مرجعيته الدينية و أخلاقه و هدوءه و تأنيه، إلى آخر تلك الحجج التي يقدمها مناصروه بين الفينة و الأخرى متناسين أنها لا تطعم الجياع و البؤساء و لا علاقة لها بحكم البلاد و تسيير شؤون العباد.

فقادة الاسلام الذين حكموا على مر العصور لم تظهر طيبة أحدهم إلا و سقط حكمه، و لم تختفي قوته خلف حلمه إلا و أزالت دسائس الساسة و كلابهم المسعورة ملكه و قطعت جسده إربا إربا.

فغالبا ما يتبع وجود أمير ضعيف أو قائد غير ممسك بزمام الامور كلية ضعفٌ في نظام الحكم و انهيار لكيان الدولة.

تلك هي المخاطر التي نود تفاديها من خلال تبيين زيف شعار “الاجماع الوطني”.

غير صحيح بالمرة أن الموريتانيين مجمعون إجماعا وطنيا على محمد ولد الغزواني.

غير صحيح البتة أن محمد ولد الغزواني يتمتع بأغلبية ساحقة في البرلمان.

غير صحيح أيضا أن أسلوب إدارة البلاد الذي ينتهجه ولد الغزواني مرضي و مريح لكل الموريتانيين.

ـ أصلا الموريتانيون لا يعتبرون ولد الغزواني هو الحاكم الفعلي ـ

غير صحيح كذلك أن عودة معارضي ولد عبد العزيز دليل على الاجماع الوطني.

غير صحيح أن ولد الغزواني يتمتع بصرامة و حزم كافيين لمواصلة إدارة البلاد و تجنيبها المخاطر.

غير صحيح أن ولد الغزواني يتابع عن كثب ما يجري في أجهزة الدولة و أنه يعرف حقيقة الأمور و يتفادى المخاطر المحدقة بنظامه.

كل هذا غير صحيح و من يتحدث به، أو يريد أن يقنع الناس به، فلن يصدقوه فكثيرة الأدلة على عدم صحة ذلك مع الأسف الشديد.

فلا مجال لإقناع الرأي العام الوطني بوجود إجماع وطني حول شخص الرئيس محمد ولد الغزواني.

لا مجال لإقناع الناس بوجود توافق سياسي بين أطراف المشهد السياسي، فأصلا المشهد السياسي على وضع “الصامت” و تطبعه ضبابية لم يسبق أن عرفها قبل الآن، و الهروب إلى الأمام هو الحل الوحيد الذي يلجأ إليه النظام إلى حد الساعة.

ولد الغزواني الذي يمارس التنويم المغناطيسي المؤقت على المعارضة جعل معارضة أخرى غير مصنفة تتشكل بعيدا عن هيمنة المعارضة التقليدية و تخرج للعلن مبدية امتعاظها من واقع البلد المزري، و من الفساد المنتشر و تدوير المفسدين.

لقد كان ولد الغزواني يظن أن تنويم المعارضة و استقبالها سيتيح الفرصة لإذابة الجليد بينها و النظام و سيجعل المعارضة غير موجودة لينعم هو بالحكم في راحة و طمأنينة و يهيمن على المشهد بشكل كلي، خاصة بوجود معارضة هشة يتقدمها أشخاص ملهم الناس و آخرون استخدمهم أهل المال ليصنعوا منهم أدوات سياسية يضغطون بها على الدولة للوصول إلى صفقاتها. حيث ظن ولد الغزواني أنه ليست هناك معارضة حقيقية بل انتفاعيون حقيقيون.

و الحقيقة أنه ليست هناك تهدأة بل هناك بركان يفور بين صخور الواقع المزري و الاستهزاء المستشري و غلاء المعيشة و تزايد المطالب الاجتماعية و ارتفاع حجم المظالم في وقت وجيز.

إن بركان الواقع هذا قد يرسل حممه في أي وقت لتُقْلَبَ الطاولة على كل الساسة الفاسدين و تابعيهم بجهالة.

إن الوضع السياسي الراهن أشد خطرا من الاحتقان الذي عرفناه في عهد الرئيس ولد عبد العزيز، ففي زمن ولد عبد العزيز كان الاحتقان معلوما و كانت ردة الفعل عليه بقدر مستواه و كنا نرى انفراجا و لو جزئيا في كل مرحلة من مراحل حكم الرجل “الفاسد” كما يسميه أتباع الأمس.

أما اليوم فالإحتقان لا وجود له على شاشات التلفزيون و لا مجال للتجمهر و لا لإلقاء الخطب السياسية ـ بطبيعة الوضع الذي نعيشه بسبب ظروف جائحة كورونا ـ لذلك يخيل إلى الغشيم أن الوضع هادئ.

و عليه فلا مجال لخداعنا بوجود اجماع وطني حول ولد الغزواني،

لا مجال لإقناعنا بأن طيبة و لد الغزواني تنفع في مجال الحكم و أن أخلاقه تطفئ غضب الجياع و المغبونين و المحرومين و المهمشين و المنتزعة منهم حقوقهم بغير وجه حق.

لا مجال لإقناع الناس أبدا بأن نظام ولد الغزواني منسجم،

نظام ولد الغزواني غير منسجم و غير متكامل تنقصه الخبرة السياسية، و يتيه فيه تكنوقراط لا يفهمون شيئا في أمور السياسة و دهاة سياسة لا يرضون بأقل من الهيمنة المطلقة.

نظام ولد الغزواني خليط كيميائي يتمدد يمكن أن ينفجر في عنق الزجاجة في أي لحظة مهددا بأزمة سياسية، اقتصادية، اجتماعية، أخلاقية و حتى أمنية، قد تأتي على كل ما تم بناءه على قلته و على هشاشة أسسه.

نظام ولد الغزواني لا يوجد … هناك ثلاثة أنظمة داخل نظام ولد الغزواني يتشكل منها، نظام ولد عبد العزيز و هو ـ أي ولد الغزواني ـ أكبر وافد منه، و نظام ولد الطائع و يقوده وزير الداخلية و مدير الديوان، و مجموعة من التائهين الحائرين من التكنوقراط و المثقفين الشباب الذين لا يفهمون في السياسة و لا يستطيعون إدارة شؤون العامة فيما يتعلق بالجو السياسي العام و فيما يتعلق بضمان وجود عمل حكومي متناسق منطلق من منظومة سياسية ترتكز على جناح سياسي داعم لبرنامج رئيس (قوي) و جناح سياسي معارض حاضر بقوة في المشهد و يعرف جيدا كيف ينتقد واقع التسيير و يفند ادعاءات النظام الحاكم حيثما وجدت و يكشف عوراته أمام الرأي العام عله يُقَوِمُهُ و يجنب البلاد الشطط في استخدام السلطة و التهاون في القيام بالمسؤوليات.

كمراقب ضمن تلك “الحمم” الكثيرة التي تكاد تنفجر داخل هذا البلد بسبب ضعف أداء النظام و هشاشة المنظومة السياسية بأكملها فإني أرى أن شعار الإجماع الوطني مثله مثل بقية الشعارات البراقة التي خدعت هذا الشعب سنين طويلة و لم ينتج عنها سوى نظام حربائي حكم البلد منذ 1978 إلى اليوم.

أمام ولد الغزواني فرصة للإعتراف بوجود حاجة ماسة لحوار وطني سياسي قبل أن يكون اجتماعيا مرتكز على مشاركة حقيقة للقوى الغير المصنفة سياسيا ضمن دائرة المعارضة التقليدية و يتنبى بشكل فوري ما صَلُحَ من أفكارها و يؤسس لعهد جديد مبني على الصراحة و المكاشفة و فهم دور المعارضة و أخذ المسافة الكافية من الجناح المعارض ضمانا للتناسق داخل المنظومة السياسية الوطنية، و للإستعداد للتحولات الكبرى التي سيشهدها البلد في غضون العشر سنوات المقبلة و التي لا مناص من حدوثها بسبب تراكمات الماضي و زيادة الوعي شيئا فشيئا لدى الشعب.

و إذا واصل ولد الغزواني تغافله عن الواقع المزري الذي يعيشه البلد على كافة الاصعدة في محاولة منه لكسب مزيد من الوقت فإن الوضع سيزيد تعقيدا و قد يصل مرحلة لن تتمكن أخلاق ولد الغزواني و لا طيبته و لا حلمه و لا مكانته الدينة أن تنفعه، فأمور الحكم لا تدار إلا بالحنكة السياسة و الدهاء و المكر و الوعي التام بالمسؤوليات و وضع الحواجز الطبيعة بين النظام و المعارضة.

هناك مرحلة إذا وصل إليها الوضع فلن ينفع وقتئذ التكتيك و لا الخطط البديلة و لا الخطابات البراقة و لا اللغة الجميلة و التعابير اللغوية البديعة، و لن ينفع تعهداتي و لا توسلاتي و لن تجزي التحالفات الدولية و لا زيارة حلف الناتو و لسوف تختفي نشوة زيارة باريس و بروكسيل و واشطن، لن ينفع كل ذلك القرب من القوى العظمى، و سيكون النزال على أديم هذه الأرض و لا قِبَلَ لمن هم خارجها بالتدخل فيه.

لن ينجي ولد الغزواني سوى إشراك الشباب و الوعي التام بمسؤولياته تجاههم و فهمك العميق لحاجته الماسة إليهم سياسيا و اجتماعيا و اقتصاديا.

على ولد الغزواني أن يثق ثقة تامة أن الحال لن يستمر طويلا على وضع “الصامت” الذي فَعَلَهُ يوم جاء إلى السلطة و لا بد ذات يوم من صرخة مدوية في كل الربوع رافضة للواقع الصعب الذي نحن فيه.

ذ. محمد فاضل الهادي

اترك ردا

%d مدونون معجبون بهذه: