الأحد , 31 مايو 2020

هكذا انتشر الإسلام عبْر الصحراء الإفريقية الكبرى

تدوينات ريم ـ ثقافة ـ صدر حديثاً عن دار “بريل” للنشر “كتابات عربية تاريخية من غدامس ومالي.. وثائق من القرون 18-20” لأستاذ الدراسات العربية والإسلامية بجامعة لندن هاري نوريس، ويتناول وثائق ومخطوطات تظهر جانباً من الثراء الثقافي للصحراء الأفريقية وواحاتها المزدهرة قديماً.

وتلقي الوثائق العربية -التي اكتشفت في ليبيا ومالي وتم عرضها في الكتاب- الضوء على تاريخ انتشار الإسلام عبر الصحراء الأفريقية الكبرى في العصور الوسطى المبكرة، وتتتبع الطرق من غدامس إلى غرب القارة السمراء، والتراث الباقي والمستمر حتى يومنا هذا للممارسات الإسلامية المبكرة في المنطقة.

ودرس نوريس (توفي عام 2019 قبل صدور كتابه) الدراسات الشرقية والأفريقية، واهتم بتاريخ شمال أفريقيا وغربها الإسلامي، كما درس بلدان البلقان المسلمة واشتهر كتابه “الإسلام في البلقان.. الدين والمجتمع في أوروبا والعالم العربي”.

وثائق أفريقية

تتناول المخطوطات سيرة العالم عبد الله بن بكر الغدامسي المتوفى عام 1719 وتأثيره، والأنشطة الفكرية والتجارية التي قام بها أهل غدامس في هذه الحقبة الزمنية. وتكشف دراسة المخطوطات عن الروابط التي أقيمت بين العلماء في ليبيا ومصر وغرب أفريقيا.

وتتعرض المخطوطات لوجهات النظر المحلية لسكان المنطقة منذ عصر عقبة بن نافع والفتوحات في شمال غرب القارة السمراء، كما تتناول التأثير الكبير للحركة المرابطية في القرن الحادي عشر في المناطق التي تعد الآن أجزاء من الجزائر والمغرب وموريتانيا ومالي.

يقول المؤلف في مقدمته للكتاب إن واحة ومدينة غدامس كانت أهم محطة في رحلات القوافل التي كانت تجوب الصحراء الكبرى قديماً، واعتُبرت البوابة التي يمر بها التجار في طريقهم من طرابلس إلى السودان الكبير الممتد عبر طول الصحراء الكبرى من السودان الحالي وحتى موريتانيا والسنغال.

وفي هذه المنطقة كانت للمدن الصحراوية تأثير فكري ومعرفي كبير، فقد ضمت مجتمعات علمية قوية وعلماء كبارا، واحتلت منذ الفتح الإسلامي مكانة مميزة في الصحاري الأفريقية وفي التاريخ الأمازيغي الإسلامي، وضمت مجموعات من الطوارق والمتحدثين بالأمازيغية التي لا تزال لغة متداولة بكثرة فيها حتى اليوم. 

الواحات الثلاث

تقع واحة ومدينة غدامس أقصى غربي ليبيا قرب مثلث الحدود مع تونس والجزائر، ولكن واقعها كمنطقة نائية لا يشبه ماضيها المزدهر، فقد عرفت كواحدة من أشهر المدن الأفريقية في المنطقة وازدهرت بعد الفتوحات الإسلامية عام 44 هـ.

وينحدر سكانها الأصليون من الأمازيغ والطوارق، وينتسبون إلى قبيلتين أساسيتين هما بنو وازيت وبنو وليد، ويقول المؤلف إن غدامس في عصرها الذهبي كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بطرق القوافل التي سافرت بينها وبين غربي أفريقيا، وكانت علاقتها مميزة بمدن عروان وتادماكا (السوق).

وتقع مدينة “السوق” (تادمكة باللغة الطارقية) في شمال شرقي مالي، وعرفت المدينة قديماً كمركز ثقافي للعلوم والآداب، واعتبرت أكثر عراقة من تمبكتو الشهيرة مع طرق تربطها بالقيروان وغدامس ومدن السودان الكبير والنيجر وغانا، واشتهرت في مرويات أدب الرحلات العربي القديم والرحالة العرب، لكن الجفاف وقلة الذهب الذي اشتهرت به حوّلها إلى منطقة نائية.

وفي كتابه “المُغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب” يقول الأديب الأندلسي أبو عبيد البكري المتوفي بقرطبة عام 1094 إن “تادمكة أشبه بلاد الدنيا بمكة، ومعنى تادمكة هذه مكة، وهي مدينة كبيرة بين جبال وشعاب، وهي أحسن بناء من مدينة غانة ومدينة كوكو (كاوا)”.

وامتدح الأديب الأندلسي -المعروف بكونه أول الجغرافيين المسلمين في الأندلس- دين أهلها وصفاتهم، ووصف ملابسهم وثراءهم وعملتهم الذهبية.

ومثل “السوق”، كانت مدينة عروان واحدا من المراكز الثقافية والتجارية في الصحراء الكبرى، وتقع في وسط مالي شمال العاصمة تمبكتو.

تاريخ منسي

في كتابه “وحيد القرن الذهبي.. تاريخ العصور الوسطى الأفريقية”، يتحدث المؤرخ الفرنسي فرانسوا كزافييه فوفيل عن التاريخ المفقود لأفريقيا منذ مولد الإسلام في القرن السابع إلى رحلات الاستكشاف الأوروبي في القرن 15، وفي هذه الأزمنة كانت أفريقيا في مركز التبادل النشط للسلع والأفكار.

ويعتبر فوفيل أن تاريخ أفريقيا قبل الاستعمار مفقود، ويعزى ذلك إلى أنه لا توجد تقريبًا أي روايات باقية كتبها الأفارقة لرفض الأوروبيين الاعتقاد بوجود إمبراطوريات متطورة في القارة قبل وصولهم.

ويحاول الكتاب إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، مع وصف حي للممالك القوية في الأراضي التي نعرفها الآن باسم موريتانيا وإثيوبيا والسنغال وزيمبابوي وتنزانيا ومالي.

ولكن نظرا لوجود عدد قليل من المجتمعات التي لديها لغة مكتوبة تحفظ وتسجل الأحداث، فإن معظم المصادر المتوافرة تأتي من المسؤولين والتجار العرب.

ورغم أن مؤلف الكتاب بدا متحاملا على العرب الذين اعتبرهم مستعمري القارة السمراء قبل الأوروبيين، فقد أشاد باللغة العربية التي جلبوها إلى أفريقيا باعتبارها لغة عالمية فتحت فرصًا تجارية وثقافية واسعة.

ويشير إلى أن هناك أدلة على أن السلع الصينية والأفغانية والهندية جرى تداولها في أفريقيا منذ القرن السادس الهجري وما بعده، معتبرا أن العصور الوسطى الأوروبية كانت زمنا ذهبيا لأفريقيا، حيث أصبحت مناطق مثل غانا والنوبة وزيمبابوي ملتقى للحضارات.

ولعبت العائلات المالكة الأفريقية والمفكرون والفنانون أدوارًا كبيرة جرى حرمانها من مكانها المستحق في التاريخ، قبل أن تتسبب تجارة الرقيق والإمبريالية الغربية في ضياع تراث ثقافي أفريقي مهم.

————-

المصدر: الجزيرة

اترك ردا

%d مدونون معجبون بهذه: