تدوينات ريم ـ وجوه ـ “يا رضوى إني والقمر والنجمات نسير إليك الليلة.. وأنا والقمر الراعي والنجمات تعبنا ونعسنا… يا رضوى الغائبة بعيدًا بعد البحر… ها نحن حملنا باقات الورد الأحمر.. وتوزعنا.. فى كل مداخل بلدتنا.. ننتظر خطاك”. كانت هذه الكلمات للشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي كتبها رثاء لزوجته رضوى عاشور بعد رحيلها في العام 2014. عندما كتب “نحن نسير إليك الليلة” كان يعرف أن حياته قد توقفت وأكلها الاكتئاب وأن الساعات التي بقيت منها إلا أوقات انتظار.

التحق مريد برضوى أمس الأحد، ولم يترك الأدب والشعر فقط. رحل الكاتب الفلسطيني وترك سيرة إنسان مهجّر في منفى اضطراري. رحل وهو حامل لسيرة وطن هاجره أو هجّر منه، حيث قال عن الوحشة التي تسكنه “عمري الذي عشت معظمه في المَنافي تركني محمّلًا بغربة لا شِفاء منها، وذاكرة لا يُمكن أن يوقفها شَيء”.

ميزة مريد البرغوثي أنه صورة للمثقف الهادئ، عكس كثيرين آخرين لا تسمع له ضجيجا، حتى حياته كانت لشيئين؛ الأدب ورضوى. في الأدب كان إنسانا ومع رضوى كان المحب الوفي الذي لا يخفي حبه، ومن حظه أن رحل إليها في “عيد الحب”. هي نفسها تقول وهي تستحضر سنواتها معهغريبٌ أنْ أبقى مُحتفِظَةً بنفسِ النظرةِ إلى شخصٍ ما طَوَالَ ثلاثينَ عامًا..أنْ يمضيَ الزَّمنُ، وتمرَّ السنواتُ وتتبدَّلَ المشاهدُ، وتبقى صورتُهُ كما قرَّتْ في نفسي في لقاءاتِنا الأولى.

كانت رضوى تملأ فراغ الوطن الغائب في حياته، ولم تتركه حتى وهو مشرّد في عواصم العالم باحثا عن ملجئ يحفظ كرامته التي لم يرض أن يهينها على حساب المواقف. لحقته إلى فلسطين وهو مطرود من مصر نهاية السبعينات، صبرت على سنوات هجرته، والأهم أنها كانت شعره وبيته الذي سكنه ولجأ إليه.

رحل مريد البرغوثي أمس في القاهرة بعد أكثر من سبعة عقود من الرحلة في المكان. بين القاهرة وبيروت وعمان وغيرها من عواصم العالم تكونت شخصية مريد، ومع رضوى عاشور امتلأ قلبه. ومع رحلة المكان والقلب كان هناك أكثر من 20 مؤلفا بين شعر ونثر كلها كانت بلغة المثقف الذي يرسل إحساسه لقارئه ما يريد بلغة بسيطة غير معقّدة.

عندما رحلت عنه زوجته رضوى لم يسعفه في الحزن إلا الكتابة فقال لها:

تعالي
إني وحدي.
لو ألقاك على جبل في التيه، وما فيه
إلا أشواك الصحراء ووهج الشمس الشريرة
ورمال.. ورمال.. ورمال..
حتى سقف الأرض النائي
لانبعث الناس من الرمل وجاء الأطفال
وأتت آلاف صبايا الدنيا
ورجال وشيوخ وقبائل
وامتدت في التيه صفوف من خيمات الآتين
وستجري في الصحراء الأنهار
يتعمد فيها الأطفال
وتسقي العطشى
يصبح وهج الشمس ضوء العشاق
وعينًا ترعى الأولاد اللاهين

قدر الفلسطينيين أن يكونوا الاستثناء في سيرهم والاستثناء في كتاباتهم، هم من يكتبون عن الغربة وهم من يكتبون عن احتلال الأرض الأرض وهم من يكتبون عن الحرب وهم من يكتبون أيضا عن الحب، حياتهم مخاضات كثيرة ومريد البرغوثي من بينهم. كان الكاتب الفلسطيني في كل سنوات الغربة عن بلاده يعرف أن أمل العودة إليها بعيد، وبقي يعيش فيها كمنتظر لرحلة لن تأتي، لكنه عوّض كل ألمه بالكتابة وبالحب الذي مات في يوم عيده.