رأي الكتاب

موريتانيا: الرئيس ودولة القانون رهينتان في قبضة الإدارة

نشر من طرف كريستوف تريشير المدير العام لشريكة RIMCOm فيFinancial Afrik

حوّل قرار مجلس الدولة الفرنسي الصادر في 10 أكتوبر 2025 قضية “ريمكوم” إلى التزام دولي. لم يعد الأمر مجرد نزاع بين شركة ومجموعة محلية، بل أضحى اختباراً لمدى تطابق خطاب الجمهورية الموريتانية في المحافل الدولية مع ممارساتها على أرض الواقع.
هناك انتصارات قضائية لا تُقام لها الاحتفالات، بل تُلزم. لقد دخلت قضية “ريمكوم” (RIM Communication) تلك المنطقة التي لا يُعد فيها التقاعس مجرد “بطء إداري”، بل يتحول إلى “قرار سياسي”.
حقائق لا تقبل الجدل
الوقائع ثابتة، وتسلسلها يتحدث عن نفسه: في عام 2013، تم توقيع عقد تفويض خدمة عامة مع مجموعة نواكشوط الحضرية. وفي أغسطس 2014، فُسخ العقد من جانب واحد. اختارت “ريمكوم” طريق القانون، وجاء الرد القضائي حاسماً: المحكمة الإدارية (2015)، محكمة الاستئناف (2018)، المحكمة العليا (فبراير 2020)، ثم المجلس الأعلى للفتوى والمظالم. أربعة مستويات قضائية أجمعت على حكم واحد: فسخ تعسفي، وإدانة نهائية بدفع تعويض قدره 664,959,738 أوقية جديدة.
وأمام تعثر التنفيذ داخلياً، لجأت الشركة إلى القضاء الفرنسي استناداً إلى اتفاقية التعاون القضائي الفرنسي-الموريتاني لعام 1962. وفي 10 أكتوبر 2025، منح مجلس الدولة الفرنسي (رقم 493788) صيغة التنفيذ (Exequatur)، مما جعل الأحكام الموريتانية قابلة للتنفيذ فوق الأراضي الفرنسية.
لم يعد نزاعاً محلياً، بل أصبح التزاماً دولياً.
وهنا يُطرح السؤال الوحيد الذي يهم: ماذا تفعل الدولة الموريتانية عندما يُدان جهازها الإداري من قبل قضاتها، وتؤيد ذلك مؤسساتها الدستورية، ثم يتم الاعتراف بهذا الحق دولياً؟
ملاذ “المناورات” الواهم
يتردد هنا وهناك حديث عن “طعن لصالح القانون”، وكأن الالتفاف الإجرائي قد يفتح مخرجاً للطوارئ. هذا مجرد سراب؛ ففي القانون الموريتاني، لا يتعدى أثر هذا الإجراء الجانب الفقهي، حيث يهدف حصراً إلى توجيه الاجتهاد القضائي المستقبلي. إنه لا يمس الحقوق المكتسبة للأطراف، ولا يكسر حجية الشيء المقضي به، ولا يوقف التنفيذ، وبالتأكيد لا يمحو الدين.
لكن الأهم من ذلك هو توقيت إثارة هذا الدفع؛ فإثارته اليوم، بعد ثماني سنوات من الحكم النهائي، وست سنوات من قرار المحكمة العليا، وخمسة أشهر من قرار مجلس الدولة الفرنسي، تجرده من أي مصداقية قانونية. فهذا التوقيت لا يستجيب لضرورة مؤسسية ولا لمتطلبات انسجام القانون.
وفي كل الأحوال، لا يمكن لأي طعن داخلي، مهما كان رمزياً، أن يعيق تنفيذ قرار مكرس الآن في النظام القانوني الدولي بموجب حكم قضائي أجنبي سيادي، مبني على قواعد التعاون القضائي.
صيغة التنفيذ ليست وساماً.. بل هي رافعة
إن صيغة التنفيذ ليست مجرد رمز، بل هي إمكانية فعلية لاتخاذ إجراءات تحفظية وحجز على الأصول غير المشمولة بالحصانة الدبلوماسية: من حسابات بنكية، وديون تجارية، ومنقولات.
لقد مرت دول أفريقية أخرى بهذه التجارب، وهي مواقف لا تنتهي بصمت أبداً؛ بل تتردد أصداؤها في وسائل الإعلام، وتقارير وكالات التصنيف الائتماني، وفي ذاكرة المستثمرين. إن التكلفة التي تمس سمعة الدولة جراء عملية حجز في قلب باريس تفوق بكثير قيمة الدين نفسه.
هذا هو التناقض الذي يجب على الدولة الموريتانية استيعاب أبعاده: القضاء الموريتاني تمت تزكية نزاهته على أعلى مستوى أوروبي، بينما تتماطل الإدارة في تحويل هذا الحكم إلى واقع. وهذا الفارق هو تحديداً ما يراقبه الشركاء الدوليون.
الدفع ليس استسلاماً
إن تنفيذ حكم قضائي لا يذل الدولة، بل هو ما يحدد جوهرها.
“الدولة القوية ليست تلك التي تربح دائماً، بل هي التي تحترم القواعد حتى عندما تدينها.”
تزداد وضوح هذه القضية بالنظر إلى أن المجلس الأعلى للفتوى والمظالم أكد مشروعية الدين، كما صدرت تعليمات رئاسية تقضي بالتنفيذ. المشكلة إذن ليست في الجهل بالحق، بل في البطء. والبطء، في ظل هذا المستوى من الاعتراف الوطني والدولي، ينتهي به المطاف ليبدو كأنه “خيار متعمد”.
لحظة الحقيقة
لم تعد قضية “ريمكوم” اختباراً للقضاء، فقد تجاوزت بالفعل كل درجات التقاضي. إنها اختبار للدولة الموريتانية: هل تريد لأحكامها القضائية أن تكون مجرد نصوص أم وقائع ملموسة؟
المصداقية لا تُعلن، بل تُنفذ. ولا يوجد رأسمال أغلى من “الثقة في قوة القانون”، تلك القيمة التي جعلها رئيس الجمهورية في قلب مشروعه للحكامة.
افتتاحية  ,  قضية RIMCOM

نشر من طرف كريستوف تريشير المدير العام لشريكة RIMCOm
فيFinancial Afrik

الرابط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى