الإثنين , 13 يوليو 2020

“سامي كليب” يكتب عن التطبيع الافريقي : موريتانيا والسودان واسرائيل.. أي خيار؟

ليس سرَّا أني على الأرجح أكثر مشرقي يُحبُّ موريتانيا، فاذا كنتُ من المؤمنين بلقاء الارواح، واذا كان للمدنِ روحٌ أيضا، فلا شك أن روحّينا تآختا منذ لقائنا الأول. لا أعرف سرَّ ذلك، ولا أريد أن اعرفه، يكفيني ما أشعر به كلما زرت بلاد الشناقطة، وكلما مرّ طيف صحرائها وواحاتها والابتسامات الهانئة لأهل الصوفية والاعتدال فيها، في بالي.
في المرة الأخيرة التي زرت موريتانيا، واستقبلني أهلها-أهلي كالمعتاد بكل الحب الأصيل وتواضع العارفين والكرم الحاتمي الذي نَدُر نظيرُه في أي دولة أخرى في العالم، للمشاركة في التسلّم والتسليم بين الرئيسين، حيث الديمقراطية تنتعش هناك بقدر ما تضمحل في مشرقنا، أخذني اشقاء موريتانيون الى حيث كانت السفارة الإسرائيلية، قالوا لي بفخرِ أصحاب القلوب النابضة على قلب كل قضية عربية وفي مقدمها فلسطين: ” أنظر يا اخي سامي، نحن جرفنا السفارة عن بكرة أبيها” جرى ذلك حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضم القدس  كاملة الى إسرائيل. لم يكتف الموريتانيون بذلك، بل أقاموا مجسّم الأقصى أمام السفارة الأميركية وأسموا الشارع : شارع القدس. لم يجرؤ أي عربي آخر على القيام بربع هذا الأمر الجلل، حين قرر سيد البيت الأبيض اعتبار القدس عاصمة ابدية لإسرائيل وتشريع السيادة الإسرائيلية على الجولان العربي السوري والمضي قدما في صفقة التطبيع.

قد تسأل صديقي القارئ، لماذا طبّعت موريتانيا أصلا مع إسرائيل وهي من دول الأطراف وليس لها أي حدود معها؟ الجواب بسيط، لأنه آنذاك قيل للرئيس معاوية ولد الطايع: ان العلاقة مع إسرائيل ستمنع عنه انتقادات الغرب بشأن حقوق الانسان والعبودية وستفتح لبلاده خزائن المساعدات وتحمي سلطته. لكن انقلابا سريعا أطاح به أثناء زيارته الى السعودية للمشاركة في مأتم الملك فهد. وفعلا آنذاك سكتت أصوات كثيرة وراحت أميركا تغازل الخرطوم وتدفع بعض العرب لمساعدته.
كان يُمكن لموريتانيا الحالية ان تجامل أميركا وتفتح ذراعيها لإسرائيل وكان يمكن لرئيسيها السابق محمد ولد عبد العزيز والحالي محمد ولد الغزواني، ان يقولا ان العلاقات بُنيت قبلهما وانهما فقط مستمران بها. لكن ثمة شعوبا وقادة وجيوشا ودولا ما تزال الكرامة عندها والقضايا المركزية أهم من المصالح والتسوّل الاقتصادي مهما ارتفعت مستوى الحاجة.
ليس سرّا كذلك، اني منذ زرت السودان في المرة الأولى، وكنتُ موفدا من قبل إذاعة فرنسا الدولية لمقابلة الرئيس عمر حسن البشير ( وحصلت معنا قصصا كثيرة صعبة وممتعة آنذاك رويتها في كتابي الرحّالة)، أخجلتني محبة ذاك الشعب الافريقي العربي الأصيل، وتعلقه بالقضايا العربية، وأذهلني مستوى النقاش الديمقراطي في البرلمان، ووجدت شعبا طيب الأعراق، صادقا حتى الشفافية.

منذ فترة غير قصيرة، سعت الولايات المتحدة الأميركية الى اقناع السودان بالتطبيع مع إسرائيل وقطع العلاقة مع كل المحور الممتد من ايران حتى غزة، ولو كتب نائب الرئيس السابق والمثقف د.غازي صلاح الدين العتباني مذكراته بشكل شفاف، لكشف الكثير من الاسرار المذهلة حول العروض الأميركية آنذاك( حيث كان هو المفاوض) ، أي في عز حكم البشير. حصلت مفاوضات في حينه، ولم يكن السودان رافضا التنازلات، لكن الحجم كان كبيرا، يبدأ بانفصال الجنوب واقاليم أخرى ويصل الى التطبيع الكامل .
ثم تطورت المفاوضات في السنوات الأخيرة لعهد البشير، وتم قطع العلاقات مع ايران، وطُرد السفير الايراني، واحرقت كتب في معرض الكتاب كانت تُتهم بنشر التشيّع. وارسال البشير قواته للقتال في اليمن  لكن التنازلات بقيت أقل من المطلوب. دون ان ننسى طبعا أنه قبل حكم البشير هاجر يهود الفالاشا من اثيوبيا الى إسرائيل عبر السودان على مراحل كثيرة.
لا داعي لذكر الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها الحركة الإسلامية  في السودان والتي أدت الى انفصال الجنوب بدعم إسرائيلي أميركي، وأغرقت البلاد في حروب لا نهاية لها، ولا داعي للحديث عن التجاهل والاستعلاء العربي حيال السودان ذي الثروات الهائلة والشعب الأصيل قبل وبعد الانفصال…. لكن يُمكن القول أن الآمال الإسرائيلية الأميركية بعد سقوط البشير بالتطبيع تضاعفت، فالبشير تردد في فتح العلاقات مع إسرائيل لأسباب كثيرة، لكنه كان راغبا بالحصول على الرضى الأميركي قبل ان يغامر ويزور دمشق حين سُدت الأبواب.

الآن يباهي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعبور طائرات إسرائيلية أجواء السودان، ويفاخر بلقائه عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني منذ الإطاحة بالبشير، ويتحدث عن تطبيع قريب مع الخرطوم في سياق ما يروّج له من تطبيع مع دول عربية جديدة ( وهو طبعا يغالي في الكثير مما يقوله) . ويتم الترويج أيضا الى ان انفتاح السودان على إسرائيل هو الذي سيرفعه عن لائحة الدول الداعمة للإرهاب ( مقابل حمامة السلام الإسرائيلية) ، وهو الذي سيفتح له خزائن المؤسسات المالية الدولية، ويفتح عواصم العرب كافة…
لا يُلام السودان الخارج لتوه من مآسي الحروب والفقر رغم خيراته الكثيرة ( مثلا ١٢٨ مليون رأس ماشية) على انفتاحه على اميركا وإسرائيل، فمعظم النظام العربي فعل قبله ذلك، والباقي ذاهب بهذا الاتجاه الا ما ندر . لكن السؤال المركزي، هل ان تلك العلاقات العميقة التي كانت قائمة بين إسرائيل وجنوب البلاد، ساعدت في جريان انهار اللبن والعسل في الجنوب الفقير، هل منعت اقتتال أهله، هل جعلت شعبه أكثر رفاهية وخيرا.

يؤكد الكاتب الفرنسي شارل انديرلان ذو الأصل اليهودي والذي كان في بدايته متعاطفا مع إسرائيل قبل ان يوضع على لوائحها السوداء لأنه انصف الفلسطينيين، في كتاب قيّم عن ” المفاوضات العربية الإسرائيلية منذ ١٩١٧ حتى ١٩٩٧”،  ما معناه ان العرب كانوا دائما توّاقين للسلام وانهم جميعا فاوضوها ( باستثناء الرئيس حافظ الاسد الذي فضّل التفاوض مع اميركا وعبرها لاسباب كثيرة، وبعض دول الخليج والمغرب العربي )  على نحو مباشر او غير مباشر ( بمن فيهم الزعيم العربي جمال عبد الناصر) ، وانها هي التي نسفت كل المفاوضات، ولكنه يشرح ايضا كيف تآمر العرب ضد العرب تاريخيا وكيف ان بعضهم كان يتلقى حقائب المال من رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير في صراعهم الانتخابي وعلى الزعامة .
العرب يريدون السلام دائما، لكنهم اليوم عالقين بين فكرة تقول ان مرجعية المقاومة  المسلحة إسلامية وايرانية وفارسية، وبين فكرة اخرى تؤكد ان السلام منذ إعادة سيناء ( بسيادة منقوصة) الى مصر ( التي ما زال شعبها رافضا مصافحة سفير إسرائيل او استقباله) ، لم ينفع العرب بشيء، فليس أكثر من السلطة الفلسطينية قدّمت تنازلات لكنها لم تلق سوى التجاهل والاحتقار وسرقة ما بقي من فلسطين، وليس أكثر من الأردن حسّن علاقاته مع إسرائيل، لكنها لم ولن تتراجع عن فكرة تحويله الى الوطن البديل…

فأيهما افضل برأيكم المثال الموريتاني، أم السوداني ؟
أتمنى فعلا الحصول على أجوبة منكم؟

اترك ردا

%d مدونون معجبون بهذه: