الثلاثاء , 21 سبتمبر 2021

لماذا نحتاج بحوث متعددة التخصصات في العالم العربي

يتحدث العديد من العلماء عن مفهوم البحث متعدد التخصصات، لكن المسألة تتعلق بعدد العلماء الذين عملوا بالفعل في فرق بحثية متعددة التخصصات.

البحث متعدد التخصصات ليس بحثًا يضم عدة تخصصات. إذ يجرؤ البحث متعدد التخصصات على المضي إلى أطراف التخصصات وإلقاء نظرة خاطفة على الجانب الآخر بهدف اللقاء في مكان جديد لاستكشاف أسئلة ووجهات نظر وحقائق جديدة.

قد ينتج عن البحث متعدد التخصصات توليفة من مكونات لم يتم خلطها معًا من قبل. هناك حاجة ماسة إلى هذا النهج نظرًا لكون التحديات التي نواجهها اليوم – وليس أقلها كوفيد-19 – لا يمكن حلها من خلال تخصص واحد فقط.

بهدف تشجيع مثل هذا النشاط، يجب على الممولين والحكومات والجامعات تقديم الدعم للعلماء الشجعان الذين يتخطون منطقة الراحة الخاصة بهم ويقتحمون آفاقًا جديدة.

خلال منتدى العلوم العالمي الذي عُقد عام 2017 في الأردن، أشارت الأميرة سُمية إلى أهمية الشمولية والتكاتف وتكوين فرق لمعالجة المشاكل المحلية في الأردن. يمكن لهؤلاء الباحثين الأردنيين، بدورهم، تصدير الحلول إلى العالم، ليكونوا بمثابة منارة للأمل في المنطقة ومصدر إلهام للأجيال القادمة.

بناءً على المناقشات في ذلك المنتدى، ترغب مجموعة باحثات حضرن المنتدى في مشاركة أمثلة حول كيفية تشجيع البحث متعدد التخصصات.

سالي جوردان، من قسم الفيزياء، إنجلترا

يضع التعليم الأساس الرئيسي للبحث متعدد التخصصات. في إنجلترا، وجدتُ أن النظام التعليمي محدود للغاية، لذلك عندما يترك الطلاب المدرسة ويبدأون دراستهم الجامعية، يكونون بالفعل متخصصين إلى حدٍ كبير. (الوضع أفضل في اسكتلندا). في المقابل، ليس لجامعتي، الجامعة المفتوحة، مؤهلات دخول، ويمكن للطلاب اختيار الدراسة للحصول على “درجة مفتوحة” من خلال مجموعة من الوحدات في جميع الكليات. ومع ذلك، قد يكون لذلك مخاطر من ناحية سوق العمل، لأن أبحاث السوق أظهرت أن الطلاب وأصحاب العمل يريدون مؤهلات قياسية بأسماء قياسية، مثل درجة البكالوريوس في الفيزياء.

لاكتساب الخبرة الكافية في موضوعات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)، يتعين على طلاب الجامعات التركيز في المساقات على موضوعهم الأساسي. ومع ذلك، يحتاج العلماء وعلماء الاجتماع إلى تقدير العمل الذي قام به الآخرون، وتجنب العمل في “أبراج منفصلة”. أعمل على التحقق من الفجوات الديموغرافية في التحصيل في مجال الفيزياء، وللقيام بذلك، أحتاج إلى خلفيتي الأكاديمية الفيزيائية لأكون قادرة على فهم الصعوبات التي يواجهها الطلاب، ومع ذلك أستخدم أيضًا منهجيات البحث الكمية والنوعية، وبعضها يتجاوز خبرتي الخاصة. يتضمن ذلك العمل بشكل وثيق مع الإحصائيين والباحثين التربويين. من المهم في وقتٍ مبكر من التعليم تعزيز العقلية التي يحتاجها الباحثون لاستخدام مجموعة من المنهجيات، بعضها أقل دقة من المنهجيات الكمية التي يعرفها معظم العلماء، وبالتالي، تعلم احترام عمل علماء الاجتماع.

يتضمن التعاون متعدد التخصصات تجاوز التخصصات أو المجالات المختلفة ودمج الأفكار المختلفة في أفكار متماسكة تعمل في انسجام تام لتحقيق هدف مشترك. وقد يكمن جزء من الحل في تدريب العلماء على التفكير على نطاق أوسع في وقتٍ مبكر، بينما لا يزالون طلابًا جامعيين.

قد يكون هذا الأساس لتدريب جيل من الباحثين على نطاق واسع من التعدد في التخصصات والتعمق في بعضها. يسمح التعاون متعدد التخصصات في أبحاث الدراسات العليا بتطور الأفكار وتحقيق مزيج من الخصائص من مختلف التخصصات. بالإضافة إلى ذلك، يتعامل ذلك مع الفروق الفردية للطلاب ويوفر القدرة على تطوير المهارات الحيوية مثل الاتصال والتفكير النقدي. إنها أداة فعالة تثير الحماس للتعلم والحلول الإبداعية، وتوفر وجهات نظر أكثر عمقًا، وتساعد في إعداد الطلاب لشغل وظائف في مجالات جديدة وناشئة.

رنا الدجاني، عالمة أحياء جزيئية، الأردن

بصفتي عالمة أحياء جزيئية، أتعاون مع عالمة الأنثروبولوجيا الطبية في جامعة ييل، كاثرين بانتر بريك لدراسة تأثير الصدمة على علم الأحياء وكيف يمكن لهذه التغييرات البيولوجية الانتقال عبر الأجيال. يمكن أن تساعد مثل هذه الدراسات متعددة التخصصات في فهم أصول الصحة العقلية والأمراض العقلية. في نهاية المطاف، يمكن أن تساعد مثل هذه الدراسات في إرشاد وتشكيل تطوير برامج لعلاج الأمراض العقلية وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لمنع الاضطرابات العاطفية والأمراض العقلية.

عبير البواب، الجامعة الأردنية، الأردن

كما أن مجال الحفاظ على التراث الثقافي والتاريخ يبدو جاهزًا للتعاون متعدد التخصصات. إذ أن علمي الأحياء الدقيقة والبيولوجيا الجزيئية مهمان لفهم عمليات التحلل الميكروبي، على سبيل المثال. يمكن لعمليات المحاكاة الحاسوبية المتقدمة استقراء البيانات المادية المستخدمة لدراسة تآكل هياكل الجسور والمباني والسفن.

 

وبالمثل، يمكن للفرق متعددة التخصصات تطوير طرق حفظ جديدة، ومواد وإجراءات جديدة لتثبيت وحفظ المواد التراثية، وطرق لاستخراج أو إبطال تأثير المواد الكيميائية الضارة على القطع الأثرية.

كما أن بإمكان العلماء تطوير مواد جديدة لتنظيف أسطح القطع التراثية مثل الحجر والمباني واللوحات الجدارية. ويمكن للباحثين أيضًا النظر إلى الصورة الأكبر بهدف فهم ظواهر مثل العلاقة بين المناخ وتدهور الهياكل التاريخية.

عبير البواب  الجامعة الأردنية

كما أن بإمكان العلماء تطوير مواد جديدة لتنظيف أسطح القطع التراثية مثل الحجر والمباني واللوحات الجدارية. ويمكن للباحثين أيضًا النظر إلى الصورة الأكبر بهدف فهم ظواهر مثل العلاقة بين المناخ وتدهور الهياكل التاريخية.

غانما دافاسامبو، من قسم التغذية والصحة العامة، منغوليا

نظرًا لخروج منغوليا منذ سنوات عديدة من هيمنة جيرانها الأقوياء، فقد واجهت البلاد تحديًا لتوفير الرعاية الطبية وإنشاء البنية التحتية للصحة العامة. يتحول الشعب المنغولي بسرعة من ثقافة الرعي البدوي إلى الانخراط في نظام اقتصادي حضري معولم. نظرًا لكون الوضع المنغولي شديد الانسيابية، فقد كان من حسن حظي أن ألتقي بمقدمي الرعاية والباحثين من تخصصات متباينة على نطاق واسع، وبسبب احتياجات التطوير الوظيفي، عملتُ في مؤسسات ومع زملاء من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة واليابان. لقد ساعدتُ في تطوير قدرة منغوليا على التعامل مع قضايا الصحة العامة، في خضم عملية إنشاء نماذج لبلدان أخرى.

لقد تمكنتُ من تعريف طلاب الطب والباحثين في منغوليا بقوة العمل متعدد التخصصات في البداية، قبل أن تتاح لهم الفرصة ليصبحوا متخصصين أكثر من اللازم.

رنا الدجاني

نحن بحاجة إلى إنشاء فرق يمكنها العمل معًا وبناء شراكات متساوية عبر الحدود الوطنية، بالإضافة إلى إشراك العلماء مع المغتربين وإنشاء شبكات إرشاد للعلماء في بداية حياتهم المهنية من خلال بحث متعدد التخصصات يتطلع إلى الأمام. وقد أبرزت جائحة كوفيد-19 الفرصة والحاجة الملحة لبناء هذه الجسور من خلال البحث التطلعي متعدد التخصصات.

رنا الدجاني: أستاذة في الجامعة الهاشمية، وجامعة ريتشموند، ورئيسة جمعية تقدم العلوم والتكنولوجيا في الوطن العربي.

ملاحظة المحرر: اجتمعت كاتبات المقال بصفتهن أعضاء في لجنة ضمن جلسات منتدى العلوم العالمي التي عقدت تحت قيادة الصندوق الملكي لدعم البحث العلمي، في الأردن. الكاتبات المشاركات هن عبير البواب، من الجامعة الأردنية، الأردن؛ وسالي جوردان، من الجامعة المفتوحة، في المملكة المتحدة؛ وغانما دافاسامبو، من مدرسة تي. أتش. تشان للصحة العامة في هارفارد، الولايات المتحدة؛ ونانسي هاكوز، من الجامعة الأردنية؛ وريم ن. بسيسو، وليان أوتي، وسوزانا فرازاو بينيرو.

اترك ردا

%d مدونون معجبون بهذه: