الأربعاء , 8 ديسمبر 2021

موريتانيا: قوارب الهجرة.. وسيلة للعبور نحو المستقبل

تدوينات ريم ـ متابعات ـ عندما كانت الشمس تغرب، تاركةً اشعتها تنعكس على الشاطئ الذي بدى كمرآة، كان صخب الصيادين الذين يدخلون ويخرجون من الرمال مستمرًا، فيما كان شاب سنغالي في ميناء نواكشوط عاصمة موريتانيا، يقول لنا “ليس لدي خيار آخر، أنا بحاجة للوصول إلى إسبانيا، عائلتي بحاجة لي”.

لحظتئذ، كان القارب الخشبي الملون يغمر البحر، إنها نفس القصص التي تتكرر، في حكايا الهجرة، آناء الليل وأطراف النهار؛ مليئة بالمخاوف والآمال، إذ يغامر الآلاف من الناس بحياتهم في أعالي البحار من أجل أحلامهم وللوصول إلى أوروبا.

“أعطني هاتفك، وإذا وصلت على قيد الحياة سأتصل بك”، هذا ما قاله شاب يافع، يكشف الذي الذي بدأ ينموا تحت أنفه؛ أنه لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره.

مثله، في ظروف مشابهة أو مختلفة، وصلوا إلى جزر الكناري عبر لجج البحار؛ عددهم 23 ألفًا و23 مهاجرًا في عام 2020، و16 ألفًا و827 آخرين حتى الآن من هذا العام.

ووفقًا لبيانات المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، لقي 1774 شخصًا حتفهم في البحر.  وكان من بين هؤلاء 72 طفلاً.

أرقام تثبت أن البحر لا يتعرف بالأعمار، الهويات والجنس، كما أنه لا يرحم براءة الأطفال؛ الذين يحاولون الوصول إلى جزر الكناري عن طريق قوارب الموت.

بلد الوداع

موريتانيا، بلاد المتناقضات وملتقى الراغبين بمخر عباب البحر؛ فهي المرحلة الأخيرة من طريق الهجرة الطويل الذي يعبره العديد من الأفارقة؛ للبحث في إسبانيا عن الحياة الجديدة، بدل التي دمرتها الحرب، ويفتك بها الجوع وتغير المناخ.

الطريق يبدأ في السنغال أو مالي أو تشاد أو السودان أو ساحل العاج؛ يحطون الرحال في نواكشوط أو نواذيبو؛ أهم مدينتين في البلاد، يفضل الكثير من المهاجرين التوجه إلى سواحل موريتانيا؛ بلد الوداع الأخير لماما إفريقيا.

بلد الوداع، هي أيضًا بلد الترحيلات؛ حيث يعمل الحرس المدني الإسباني، عن كثب مع الشرطة الموريتانية؛ لاعتراض القوارب في أعالي البحار وقبل وصولها إلى الأراضي الإسبانية، يقومون باحتجازهم في مركز ثم إعادتهم إلى بلدانهم.

“لقد سئمت رؤية الموتى في البحر، قبل يومين صادفنا قاربًا يضم 86 شخصًا، وكان هناك أطفال ونساء… لقد أعدنا بالفعل هذا العام أكثر من 500 شخص”، كما يشرح ضابط شرطة ميناء في نواديبو.

نواذيبو، هي العاصمة الاقتصادية للبلاد، لكنها أصبحت طريق الهروب من جحيم إفريقيا للكثيرين؛ تقع في الشمال وعلى شبه جزيرة محاطة بالبحر، وهذا هو السبب في أنها نقطة الانطلاق إلى الحياة الأخرى، التي لا يعرف المهاجرون أبدًا ما ستكون عليه.

وفقًا للأمم المتحدة، تعد موريتانيا واحدة من 44 دولة؛ تشكل جزءًا من مجموعة “العالم الأقل تقدمًا”.

أحلام الأطفال

ورغم أن موريتانيا بلاد محاطة بدول متخلفة؛ لكنها لا تنعم بأمنها أو استقرارها؛ فمن الشمال، تحد موريتانيا الصحراء الغربية، التي تعيش نزاعًا أبديًا بين المغرب وجبهة البوليساريو منذ إنهاء الاستعمار الإسبان، ومن الشمال الشرقي، تفصلها الحدود عن الجزائر، البلد الذي تصاعد توتره مع المغرب، غريمه التقليدي وجاره الغربي.

ومن الشرق، تحدها مالي، وفي هذا البلد، أدت قلة الأمطار والجوع، والاشتباكات مع الحكومة؛ إلى اندلاع صراع استغله الإسلاميون لمدة عشر سنوات؛ ويعيش آلاف من اللاجئين الماليين في موريتانيا، في مخيم وسط الصحراء؛ إنها نفس الأسباب التي تتكرر في باقي دول الساحل؛ بوركينا، النيجر، تشاد والسودان، ومن الجنوب تحد موريتانيا، دولة السنغال، حيث تسببت المجاعة في فرار الآلاف من ديارهم إلى أوروبا منذ عقود.

ورغم أن 85 بالمئة من الأطفال “في وضع هش”، فإن بعض السلطات التي التقت بها هذه الصحيفة لا تنكر ذلك.

ويقول العديد من المراهقين بأن مستقبلهم هو خارج البلاد أكثر منه داخل البلاد؛ “واجبي هو رد الجميل لوالديّ على كل ما فعلوه من أجلي، وإذا لم أحصل عليه هنا، فسيتعين عليّ البحث عنه في أوروبا”، يقول حبيب، وهو صبي يبلغ من العمر 14 عامًا بدأ بالفعل في الذهاب إلى المدرسة مقابل الحصول على بعض المال من عائلته.

هنا، في الأحياء ذات الدخل المرتفع، لا تزال هناك عائلات من مجموعة “الحراطين”، وهم أبناء وأحفاد العبيد السابقين، الذين يعيشون في خيمٍ أو أكواخ خشبية في وسط الشوارع الرملية وبجوار منازل الطبقة الأكثر ثراءً في بلاد شنقيط.

ورغم حظر موريتانيا لملكية العبيد عام 1981، إلا أن العبودية غير المعلنة لا تزال موجودة من نواح كثيرة، كما أن ظاهرة الأطفال الذين يفرون من منازلهم للعمل في المدن، مستشرية في البلاد، والقصر الذين يجبرون على التسول في الشارع من قبل معلمي القرآن، وفق شهادات تحصلت عليها هذه الصحيفة، وأطفال مهاجري مالي أو السنغال الذين لا يمكنهم الذهاب إلى المدرسة لأنهم غير مسجلين في أي سجل، وقضايا العمال المهاجرين الذين يشتغلون بدون عقد ولا يدفع لهم أحد في نهاية الشهر، أو الفتيات اللائي يعشن محبوسات في المنزل ويتم تمييزهن في جميع أنحاء الحي بعد تعرضهن للاغتصاب، لكل هؤلاء لا تزال أوروبا حلما، “وفردوسًا لترك الجحيم” كما يقولون

السالكة الغزاري

اترك ردا

%d مدونون معجبون بهذه: