
نواكشوط –«القدس العربي»: بعد فترة وُصفت بالمهادنة السياسية وتغليب خطاب التهدئة، عاد حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)، المحسوب على الإخوان المسلمين، إلى واجهة الجدل العام بمواقف ناقدة تجاه أداء السلطات، على خلفية الجدل المثار حول قمة نواكشوط للشباب.
وعبر الحزب على لسان رئيسه حمادي سيدي المختار «عن استغرابه من أي توجّه لعرقلة مبادرة شبابية، مؤكدا «أنه لم يرَ في برنامجها أو مضامينها ما يبرّر المنع، بالتوازي مع إطلاق تحذيرات من تفاقم مظاهر الانفلات الأمني، وانتشار المخدرات، وتداعيات ذلك على الاستقرار المجتمعي، في خطاب يوحي بتحوّل نسبي في نبرة المعارضة الإسلامية تجاه النظام.
وقال رئيس الحزب «إنه لم يلتق بمنظمي قمة نواكشوط للشباب، ولم يجرِ أي تواصل بين حزبه والسلطات بشأن ترخيصها، مؤكداً أنه بناءً على ما اطّلع عليه من خرجات إعلامية وبرنامج القمة، لم يلاحظ ما يستوجب عرقلتها».
وكان ولد سيدي المختار يتحدث أمس في مؤتمر صحافي مخصص لإبراز مواقف حزب «تواصل»، من الأحداث السياسية الآنية.
وأضاف «أن أي دولة أو نظام يسعى إلى النجاح مطالب بإعطاء مكانة حقيقية للشباب، باعتبارهم «جيل الغد»، داعياً إلى دعم مبادراتهم وتشجيعها وتمكينها من التراخيص اللازمة، بدل التضييق عليها.
وأضاف رئيس الحزب أنه لم يلتقِ لا بالمنظمين ولا بالسلطات المعنية بهذا الملف، مؤكداً أن حزبه لم يتلقَّ أي طلب أو مسعى من القائمين على القمة، كما نفى بشكل قاطع أن يكون قد التقى وزير الداخلية أو تدخل لدى أي جهة رسمية بشأن تنظيم هذا الحدث.
وفي سياق آخر، انتقد ولد سيدي ما وصفه بالانفلات الأمني الذي تشهده العاصمة نواكشوط بين الفينة والأخرى، مطالباً الجهات المعنية بالتحرك لضبط الوضع الأمني، ليس في العاصمة فحسب، بل في مدن الداخل أيضاً.
وأشار إلى أن مظاهر هذا الانفلات باتت تُلاحظ بشكل دوري، معتبراً أن انتشار المخدرات وتزايد تداولها من أبرز العوامل المغذية لهذه الظاهرة، وما يترتب عليها من تهديد للأمن والاستقرار المجتمعي.
كما تطرق رئيس حزب «تواصل» إلى أوضاع الجالية الموريتانية في مالي، مؤكداً أنها لم تحظَ بعد بتدخل فعّال لحلحلة مشاكلها، خاصة بعد إقدام السلطات المالية على إغلاق عشرات المحلات التجارية التي يمتلكها موريتانيون، ما اضطر بعضهم للعودة إلى البلاد، بينما لا يزال آخرون عالقين في انتظار الحل.
وطالب ولد سيدي الحكومة الموريتانية بالإسراع في التدخل لمعالجة هذا الملف، معتبراً أن تأخر الحل طال أكثر من اللازم، رغم ما يمثله نشاط الجالية من فوائد اقتصادية واجتماعية لأبناء الوطن ولموريتانيا بشكل عام.
وفي سياق هذه الانتقادات، دعا الولي همر فال رئيس المجلس الشبابي لحزب «تواصل» الحكومة إلى تحمّل مسؤولياتها الكاملة والوفاء بتعهداتها تجاه فئة الشباب، مؤكداً «أن معالجة قضاياهم لم تعد تحتمل مزيداً من التأجيل أو المقاربات الجزئية». وطالب المجلس، في بيان له، السلطة والمجتمع معاً بالتصدي الحازم لعصابات المخدرات وغيرها من الممنوعات المحرّمة شرعاً والمجرّمة قانوناً، داعياً إلى تطبيق القانون على المهربين والمتورطين بكل جدّية وقوة وشفافية، مع توضيح ملابسات هذه الملفات للرأي العام من أجل تعزيز الثقة وترسيخ هيبة الدولة.
كما شدد المجلس الشبابي على ضرورة إطلاق برامج استعجالية لمعالجة جملة من المشاكل الوطنية، في مقدمتها أزمات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، معتبراً أن استمرار الاختلالات في هذه القطاعات ينعكس بشكل مباشر على أوضاع الشباب ومستقبلهم.
وحذّر البيان من تفاقم مشكلة البطالة، خاصة في صفوف حملة الشهادات، مشيراً إلى وجود آلاف الخريجين على قارعة الطريق يطالبون بالتشغيل، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات اجتماعية واقتصادية وأمنية سلبية تمس الشباب والدولة على حد سواء.
وجدد المجلس الشبابي دعوته لنواب اللائحة الوطنية للشباب إلى تنسيق الجهود والعمل المشترك من أجل نقل هموم الشباب إلى قبة البرلمان، وطرح قضاياهم بشكل منتظم، ومناقشة السياسات العمومية ذات الصلة بهم بما يضمن إيجاد حلول عملية ومستدامة.
وبين تأكيده على ضرورة تمكين الشباب واحترام حقهم في المبادرة والتنظيم، وتحذيره من كلفة التراخي الأمني وتعقّد الملفات الاجتماعية والاقتصادية، يبدو حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية حريصاً على إعادة تموضعه في المشهد السياسي، جامعاً بين النقد المحسوب والدعوة إلى تحمّل الدولة لمسؤولياتها.
وفي ظل تزايد الضغوط الشبابية والأمنية، تظل تساؤلات مفتوحة حول ما إذا كانت هذه المواقف ستتطور إلى مسار سياسي أكثر صدامية، أم ستبقى في إطار التنبيه والضغط الناعم لإصلاح الاختلالات القائمة.




