عيد بأية حال عدت يا عيد ..
تدوينات ريم ـ رأي الكتاب ـ يأتي عيد الأضحى هذا العام غير مختلف عنه قبل عام .. يأتي و الأمة العربية تشهد تمزقا منقطع النظير لا تكاد تشهده أي أمة أخرى .. يأتي و اليمن السعيد أضحى تعيسا ، و زاد من تعاسته الإنقسام في عدن و الإنقلاب على الشرعية غداة عيد الأضحى المبارك ، و كأنه كتب على الأمة أنه في كل أضحى لابد أن تحل كارثة بالعرب .. ففي السبت 30 ديسمبر 2006 فجر عيد الأضحى المبارك يومها تم إعدام الشهيد صدام حسين بدم بارد ..
و في الذكرى الثالثة عشر لإعدامه هاهي الأمة تشهد كوارث في يوم العيد .. يوم يفترض أنه للفرح : معارك في سوريا و اليمن و ليبيا و مواجهات في القدس ..
فما هي أسباب هذه الحروب ؟ وكيف استغلها الغزاة و الغلاة و الطغاة ؟ و هل سيأتي اليوم الذي تتوقف فيه قريبا و نكون أمام دول مدنية تعلي من شأن الإتحاد و التعاون كما هو الشأن في دول الإتحاد الأوروبي ؟
فجر ال17 ديسمبر 2010 انطلقت شرارة ثورة الحرية والكرامة في تونس مسببة زلزالا سياسيا سيصيب بلدانا عربية ، متمثلا في فيما توصف بثورات الربيع العربي .. أو ما يصفه خصومها ب ” الخريف العربي المشؤوم ” !
انطلقت الشعوب العربية في تونس ومصر وليبيا و اليمن و سورية تهتف للحرية و العدالة الإجتماعية و الكرامة الإنسانية ، انطلقت و كلها أمل أن تغييرا للأفضل سوف يقع ، و أن زمان الديكتاتوريات قد ولى إلى غير رجعة ، و أن مستقبل بلدانها بيدها ، تستطيع صناعته عبر صناديق الإقتراع ، و الإنتخابات النزيهة و الإختيار الحر … بيد أن الرياح جرت بما لا تشتهيه نفوس هذه الشعوب ! لقد كانت هذه المطالب كارثة بالنسبة للطغاة و للغلاة و للغزاة في آن واحد ، و كانت نخب تعودت الإرتماء في حضن الديكاتورية تخشى على امتيازاتها ، و ترى أن تحقيق هذه المطالب و تكريس العدالة والمساواة و إنشاء حكم مدني ديمقراطي يشكل خطرا و جوديا عليها ، لأجل ذلك استماتت في محاربة هذه الثورات بكل وسيلة : إعلاميا ، سياسيا ، اقتصاديا ، اجتماعيا، فكريا ، فنيا … وعسكريا في بعض الأحيان .
وقد استغلها الغزاة بتأجيج الحروب و إطالة أمدها ، صحيح أن الأمم المتحدة كمنظومة دولية سعت جاهدة للحد من تفاقم تلك النزاعات و حاولت في أحيان كثيرة التوسط بين الفرقاء السياسيين ، ولكن هذه المنظمة تقف عاجزة اليوم أمام تفاقم الكوارث الإنسانية والحروب في اليمن و سوريا و ليبيا ، و يزيد من الأمر سوءا الإستقطاب الدولي و الإقليمي ، ودعم كل طرف لجهة معينة و هو ما يزيد من معاناة هذه الشعوب ، التي أضحت ضحية نزاعات لا ناقة لها فيها ولا جمل ، و ظهر ” الغلاة ” ممثلين في تنظيمات إرهابية ،” داعش ” نموذجا ، استغلت الفوضى الموجودة و قتلت و شردت و قامت بكل ما يمكن أن يخطر بالبال من إجرام في سوريا و العراق ، وهو ما كان ذريعة للتدخل العسكري لبعض الدول ، الذي زاد الطين بلة ، و خلط الحابل بالنابل ، فوقعت هجرات جماعية بفعل الحصار و القصف و القتل من الغزاة و الغلاة سواء بسواء ،فما الغزاة في حقيقة الأمر و الغلاة إلا وجهان لعملة واحدة .. يمكن أن نضيف لهم الطغاة .
والحق أن الطغاة ساهموا في هذا الوضع الكارثي أيما مساهمة ، فدعموا الثورات المضادة بالإعلام و السلاح والمال
فوقع الإنقلاب العسكري في مصر ، و التدخل العسكري في اليمن ، والحرب الأهلية في سوريا وليبيا ..
صحيح أن الثورات أيضا استخدمت العنف في بعض الأحيان كما حدث في ليبيا أيام القذافي ، و لا يهم من البادئ بالعنف ، فالبادئ _ على أي حال _ أظلم .. لكن العنف ولد العنف المضاد ، و التمرد على الدولة أدخل الشعوب في حروب أذاقتها الويلات ، ولم يكن الطغاة ليتخلوا عن امتيازاتهم بسهولة ، لقد أرادو معاقبة الشعوب أيضا على التفكير لحظة في العصيان .. وكانت العقوبة أقسى عقوبة .. حصار و دمار و ضرب بالبراميل المتفجرة _ سوريا نموذجا_
ولا يسعني في هذا الإطار إلا أن أقول :
لمثل هذا يموت القلب من كمد إن كان في القلب إيمان و إحسان
ولم تكن الثورات العربية بنفس المستوى من حيث الرقي والتحضر ، فشعوب متعلمة كشعب تونس لم تكن أبدا كشعوب تسودها بنيات ما قبل وجود الدولة (القبيلة ) ، فلذلك اختلف تعاطي شعب تونس ونخبه مع الثورة عن تعاطي شعب كالشعب الليبي أو اليمني مثلا ..
وهنا أتذكر تساؤل الرئيس التونسي الراحل بورقيبة الذي طرحه على الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي حين سأله : لماذا لا تخطط ليكون شعبك متعلما كبقية الشعوب المتحضرة ؟ فقال القذافي : أخشى أن يثوروا علي !
فرد عليه بورقيبة فورا : لأن يثور علي شعب متعلم أحب إلي من أن يثور علي شعب جاهل !!
و فعلا كان شعب تونس واع لما يحاك ضده من مؤامرات ، فأجهض كل محاولة للنيل من بلاده ، بينما كانت شعوب أخرى ضحية أمور كثيرة منها التدخل الخارجي و الجهل في كل أبعاده ، وعلى رأسها ” الجهل السياسي ” .
و مع أنه قد وقع ما وقع فإن الأمل يظل قائما دائما .. الأمل بانتهاء الحروب ، ووعي الشعوب ونهضتها ..
أعلل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل ..
ومهما يكن فإن ما حدث هو درس سياسي لابد من الإستفادة منه ، وتجربة قاسية لابد من النهل منها و استخلاص دروسها من أجل أن لا تتكرر
لابد من عقد اجتماعي جديد .. و انفتاح على الرأي الآخر ، و إتاحة المجال للمجتمع المدني ، و إتاحة مساحات من الحرية للشعوب العربية لتعبر عن آمالها و تطلعاتها ، فالضغط يولد الإنفجار ، وليس هذا زمن الإستبداد ، لقد ولى زمن الإستبداد إلى غير رجعة ، و قد أطلقها الكواكبي ” الإستبداد أصل كل فساد ” ، وقد صدق الكواكبي ..
فكل الكوارث التي حلت بأمتنا كان الإستبداد سببا رئيسيا لها .. و متى توقف الإستبداد نهضت الأمة و استردت عافيتها و انطلقت تنميتها و رفعة شأنها وقوتها شأنها شأن الدول المتحضرة في عالم لم يعد يعرف سوى الديمقراطية وسيلة للحكم .
زين العابدين علي بتيش



