ritأخباررأي الكتاب

وحدوه وحدوا الواحد ـ بقلم / فاضل ولد الهادي

طوابير في طوابير قدموا من كل فج عميق حجا إلى قصر بني بصفقة تراضي، اهملت فيها كل النصوص القانونية التي تحدد كيفية صرف المال العام.
طوابير لبت نداء الفخامة، و أرتهنت إلى أن تجعل منه واحدا أحدا، توحده خلافا للمألوف ضاربة بعرض الحائط أقدس وثيقة و أسماها في الجمهورية، مصممة على أن تمارس طقوس النفاق و الشقاق و الولاء الأعمى في سبيل تقاسم كعكة ليست ملكا لواحدهم هذا.
الدستور يقول .. عفوا، ما شأننا بالدستور، نحن حزب فوق القانون و فوق الدولة و فوق المجتمع، نحن لا نقبل أن نكون خاضعين لأي مصطلح من مصطلحات الجمهورية، نعم نريد أن يحكمنا “ملك” نسبح بحمده خمس سنين نعلن فيها طاعتنا العمياء لسيدنا “الشيخ” المهيب، الذي لولاه ما كانت الجمهورية، و لولاه ما تخلصنا من حكم العزيز الذي أذاقنا ويلات في ويلات طيلة عشر عجاف، كانت بالأمس على ألسننا جنة من جنان الخلد.
الدستور يقول .. عفوا، ما شأننا بالدستور، نحن لا نرتهن لوثيقة لا قيمة مادية لها و لا أثر إيجابي لها على جيوبنا و لا تزيدنا ثراء و تعطينا سلطة نتحكم من خلالها في رقاب القوم.
الدستور يقول .. عفوا، ما شأننا بالدستور، نحن لا نقبل أبدا أن يكون هناك دستور اسمى و لا أعلى و لا أجل من نصاعة وجه فخامته و من مكانته بيننا، حين كنا نتمنى أن يأتي ملك مثله يحكم فينا بالباطل و ينزلنا منازل لا نستحقها.
الدستور يقول .. عفوا، لا يهمنا الدستور.
طيب لا بأس بذلك القانون يقول، عفوا، أسكت يا هذا فالقانون تطبقه أيادينا و نحن من يتحكم في كل أجهزة الدولة و نحن من يجلس على كراسي الوزارات فوزارة العدل يأمرها ملكنا أمرا مخالفا للدستور فتعمد إلى تطبيقه، حتى أنه من حسن أخلاق من ينظرون في ملفاتنا الفاسدة أنهم حين يرون أننا مدانون يكتفون بحفظ القضية و بتأجيل الجلسة إلى غاية ما بعد حكم الملك أي أنها مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
القانون يقول..، عفوا، توقف عن العبث يا هذا فالقانون نصوص نؤولها كما نشاء، كما يحلوا لنا، فنحن أسياد هذه الأرض أنتم فيها العبيد، أنتم من يجب أن يحترم القانون و من يجب أن يحترم منهم فوق القانون، نعم، أنتم من عليكم إحترام النصوص و عدم إثارة البلابل و عدم الخروج في الشوارع مطالبين بحقوقكم، تكفيكم تلك الرقعة الترابية الصغيرة جدا أمام قصر جلالة الملك، إذ لا يستطيع أن يتجمع فيها منكم أكثر من مائة شخص، تكفيهم سيارتان فقط مسيرتنا من طرفنا تحمل رجال أمن منكم يحترمون الأوامر لا سذاجة منهم و بل خوفا من الفوضى، فينهرنوكم فتبتعدوا فيضربوكم بالسياط فتتشتتوا و نضحك نحن و نحن ننظر إلى صوركم في شاشة التلفاز.
القانون يقول..، عفوا، توقف قلنا و كفى، أليس في عقلك تدور الحقائق ألا تعي ما يعنيه الواقع الذي تعيشه، أنت من عليك أن تحترم القانون و لا تذكرنا بسوء و لا تفكر في أننا ضالون بل نحن موحدون.
و يخرج من بين الجموع رجل أسمر طويل القامة يذكر محاسن الملك، على الملأ و الكل ينظر إليه بإعجاب و تعجب و يتمنى لو كان له صوت كصوته و جرأة كجرأته فيقف موقفه أمام الملك أو أمام عدسة ستنقل إلى الملك الصورة الحية للولاء الأعمى، يقف الرجل الأسمر و هو يذاكر و يقول “وحدوه وحدوا الواحد” “وحدوه وحدوا الملك”.
ثم تتراءى من بين الجموع سيدة خمسينية تكرر “يعيش الملك”، “يعيش الملك”، نحن من الشرف لنا أن يكون الملك “مرجعيتنا” أن يكون هو من يوجهنا بتعليماته السامية، بأفكاره النيرة، بسياساته الناجعة، و بوطنية، و مسالمته، و مهادنته، و عزمه، و حزمه، و كرمه، و عدله، و بشاشة وجهه و نضارة طلته البهية، عاش “الملك” عاش “الملك”.
كل ذلك يحدث و أمة بحالها تراقب و تترقب، تنتظر من دجاجها و فراكيسه أن يقرر مصيرها، أن يحدد توجهها أن يعلن عن مسارها إلى الواحد الأحد، وحدوه وحدوا الواحد و لا تسأموا و لا تملوا و لا توقفوا عن توحيده فبذلك فقط ستسقط كل تلك التماثيل و سيموت الدجاج و يتطاير ريشه ذات يوم في الهواء و نبقى نحن أمة مسلمة نوحد الواحد الملك الذي لا يموت، بينما يموت الدجاج و هو خائن لتلك الحفرة التي نشأ فيها و تربى لأنه لا يستحق بأفعاله و سوء ظنه أن يوحد غير ذلك الملك الفاني.
و يعيش من جبلوا على النفاق ما بقي من أعمارهم و هم يكررون ليل نهار وحدوا الواحد بالولاء و الطاعة، بنكران عنه كل زله، و إلصاق به العصمة، وحدوه بتقبيل صورته على حائط المؤتمر و المؤتمرون جالسون ينظرون بشغف و حب كبير إلى ما كتب على تلك الصور، “مرجعيتنا”. إنا إليك يا أيها الملك لك و إليك راجعون و لا لنا مرجعية سواك و لا رجعة لنا إلا إليك، فنحن لم نعرف قبلك “زعيما” و لا رئيس مؤسسا، و لا “مطعما من جوع” و لا “مؤمنا من خوف”، لم نعرف قبلك ملكا و لم نعرف قبلك صاحب رؤية ثاقبة و لا صاحب بصيرة و لا عقل، و لا مروءة و لا جاه و لا سلطان.
أيها “الواحد” تذكر جيدا أننا لم نحبب صديقك ذاك إلا حبا فيك و لم نصبر عليه إلا لأننا نعلم علم اليقين أنك ستأتي بعده و أنك ستحكم بالعدل عدل مقصدنا منه “ملأ جيوبنا” و “نهب خيرات هذا الشعب” و “الرقص على أناته و زفراته” و العيش في قصور على ضفاف المحيط ننادي كل ليل و كل فجر “وحدوه وحدوا الواحد”.
لا تفكر في المستقبل أي الملك، فغدا حتى و لو جاء غيرك فلن نوحد سواك و لن “نعبد” سواك و لن نؤمن بسواك، فنحن مجبورون على الإيمان بك و اليقين بأنك خالد مدى الدهر، باق بقاء الدنيا و لو زادت لزاد عمرك و لو بقت لبقيت فيها مخلدا خالدا، فالذين قبلك جاؤوا خدعونا و لم يكونوا خالدين و لم نكن إياهم موحدين.
هذه هي حقيقة ما في النفوس لمن يريد الحقيقة.

ذ/ محمد فاضل الهادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى